البار من أجل الآثمة

البار من أجل الآثمة

 

رغم استشهاد أبيه في ميدان المعركة ورقاد أمه المسيحية الحقيقية القديسة أيضًا, ظل "هولت" متمسكًا بإيمانه القوي بالرب يسوع. ورغم سنه التي لم تتجاوز الأربعة عشر عامًا، ورِقَّته ووداعته وما تحمله الحياة العسكرية له من ذكريات أليمة عن موت أبيه، إلا أن "هولت" ظل أمينا في أداء واجبه العسكري.
ثم حدث تمرد من الجنود في كتيبة "هولت" واكتشف القائد بعض العبث في الذخيرة، وأن بعض المتاريس قد أُتلفت والبعض الآخر قد نُزع. وقد دلت التحريات أن الجاني هو فرد يقيم في الحجرة رقم 4 حيث يقيم "هولت". فصدرت الأوامر بتقديم جميع أفراد الحجرة 4 للمحاكمة العسكرية، وقال القائد:
- «إن اعترف الجاني فسيحتمل عقوبته وحده ويُطلَق الجميع أحرارًا، أما إن لم يعترف أحد فكل فرد سيحتمل نفس العقوبة, ففي القوانين العسكرية السيئة تعم والحسنة تخُصّ». هكذا قالها القائد بحزم..
ساد الصمت والوجوم الحزين دقائق مرت كالسنين وفجأة وكالسهم المنطلق خرج "هولت" من الصف وقال للقائد:
- «أنا علي استعداد لتحمل العقاب، فلتفرج يا افندم عن باقي الجنود ليكونوا أحرارًا كما وعدت!»
كان القائد يعلم ببراءة "هولت" لتقواه وتاريخه المشرف في العمل العسكرين إلا أنه كان عليه أن ينفذ فيه الأمر العسكري الذي أصدره والذي لا يمكن تغييره.
ومن هنا اقتادوا الغلام للجَلْد، فأنحني "هولت" في بسالة منقطعة النظير. عرُّوا ظهره وانهالوا عليه بالجلدات، وعند الجلدة الثالثة خرج تأوُّه مكتوم من بين شفتيه، وعند الجلدة الرابعة كان الألم أقسى من احتماله فدوت صرخة عذابه الرهيب بين جنبات المعسكر. وعندها تقدم الجندي "جورج" وهو يصرخ في انهيار ومرار وعار، وأمسك بالسياط وقال للقائد:
- «سيدي القائد، أنا هو المذنب الحقيقي. هولت لم يفعل ذنبًا. إنه قديس. اربطني أنا. فهذه أجرة ذنبي أنا, أنا المذنب وليس هولت».
ساد الصمت للحظات، إلا أن "هولت" التفت إلي زميله جورج بابتسامة كالوردة الرقيقة بين أشواك الألم والعذاب، وقال له:
- «أنت يا "جورج" حر من العقاب, الآن ينبغي أن يُنفذ أمر القائد فيَّ».
ولما جُلد "هولت" الجلدة الخامسة غاب عن الوعي وسقط مغشيًا عليه بين بركة من الدماء التي كانت تجري بغزارة من جراحه.
في الغد كان "هولت" يحتضر في المستشفى، بينما كان زميله "جورج" يجلس بجواره في بكاء عميق مر. ولما أفاق "هولت" من غيبوبته, سأله "جورج":
- «لماذا تحملت القصاص بدلاً مني يا هولت؟». أجابه:
- «لأني أحبك. ولكن الرب يسوع يحبك أكثر جدًا, أنا تحملت لأجلك جلدات. وهو تحمل لأجلك أقسى العذابات بل ونيران الجحيم التي كنت تستحقها, لقد أردت أن أوضح لك بطريقة عملية ما ذكرته لك مرات كثيرة عن السؤال الأعجب وهو لماذا مات المسيح لأجلي ولأجلك. لأختبر عمليا وبصورة باهتة ما كُتب عن ربي الحبيب يسوع: {حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ} (متى27:26)»
- «ولكني شرير كما تعلم يا "هولت". هل الرب يسوع المسيح يحب شريرًا نظيري؟»
قالها "جورج" والدموع تسيل من عينيه بانهمار كالأنهار والينابيع الغزار. أجابه هولت:
- {«الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ لْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ .. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأثمة، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ} (1بط24:2)». قالها "هولت".
وبينما كان "جورج" يصلي ويسلم حياته للمسيح، وضع "هولت" يده برفق وحنان علي رأس "جورج" وأخذ يردد له الترنيمة الخالدة:
كما أنا وليس لي عذر لديك
وأمرك القائل أن أتي إليك
إلا الدم المسفوك عني من يديك
أتي أنا يا حمل الله الوديع

 

 

وبينما "هولت" يرنم, ابتسم ابتسامه أبدية وأحنى رأسه وانطلقت روحه بسلام إلي السماء، في قصة فداء لا تعلوها إلا قصة صليب الرب يسوع المسيح!
صديقي القارئ العزيز .. صديقتي القارئة العزيزة، إن قصة "هولت" وفداءه "لجورج" تلك القصة الحقيقية والقديمة والتي ستظل مؤثرة دائمًا، لا يمكن مقارنتها بقصة ما احتمله المسيح, رب "هولت" الذي قال: {لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ} (يوحنا13:15)؛ فهو لم يُجلد ويتألم آلامًا جسدية فقط كالتي احتملها "هولت"، ولكنه احتمل أيضًا آلامًا نفسية رهيبة كالخيانة والإنكار والعار والبصق والعري. كانت هذه الجراحات النفسية الداخلية أكثر ألمًا من الجلدات الجسدية. أما الآلام الكفارية فكانت أقسى وأرهب من أن يفهمها أحد من البشر حينما تم المكتوب: {وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ والرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟} (إشعياء5:53-8)
إن قصة حب الرب يسوع وفدائه تستحق أن تلتفت إليها {فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأثمة، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلَكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ} (1بطرس18:3) {فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هَذَا مِقْدَارُهُ، قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا؟!} (عبرانيين3:2) فهل تأتي إليه نظيري، ونظير "جورج" معترفا بخطيئتك، ومقدرًا صليبه؟ هل تصلي معي الآن وأنت تقرأ هذه القصة؟
صلاة:
أيها الرب يسوع البار   يا من احتملت لأجلي كل المرار   والعار   يا من لم تُجلد فقط بسياط من حبال وأوتار   يل بسيف العد الإلهي المصنوع من نار
أحبك من أعماقي يا من أحببتني من عمق الأغوار.  أمين
زكريا استاورو

التعليقـــات


بحث الموقع
Loading
اكثر 5 قصص فراءة
اكثر 5 قصص مشاهدة
جديد القصص